في إثنين من الأيام الأخيرة من أبريل 2014، سمع توم كاتينا ما بدا وكأنه صوت جزازة عشب ورأى ما يشبه نموذج طائرة عملاقة في السماء.

 كانت طائرة مراقبة بدون طيار. وستتساقط القنابل قريباً حول مستشفى ماذر أوف ميرسي، حيث كان يعمل. كانت آمال، التي فقدت قدمها اليسرى جراء هجوم سابق بالمدفعية على قريتها التي لا تبعد كثيراً، وتقع في منطقة جبال النوبة في ولاية جنوب كردفان في السودان، مريضة في المستشفى في ذلك الوقت.

 وأخبرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قائلة: "الجميع أخلوا المستشفى وتركوني وحدي. كنت عالقة في سريري. ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ مجرد البكاء ... وبعد دقيقتين، جاء دكتور توم يركض وقال: 'آمال، هل أنت هنا؟' قلت له: 'أنا هنا'. فقال: 'هل أنت خائفة؟' قلت: 'لا، لست خائفة'".

 زحف الطبيب تحت سرير آمال حتى انتهت الغارة. لم تقع إصابات، ولكن مئات المرضى فروا إلى الأدغال والكهوف، أو الجبال القريبة، متخلين بذلك عن الرعاية الصحية التي كانوا يسعون للحصول عليها. 

   امرأة تبكي عند سماعها خبر وفاة ابنها نجم الدين البالغ من العمر   22   عاماً، والذي لقي مصرعه على أيدي جنود الحكومة. (جيوفاني ديفيدينتي في مقاطعة دلامي بولاية جنوب كردفان)

امرأة تبكي عند سماعها خبر وفاة ابنها نجم الدين البالغ من العمر 22 عاماً، والذي لقي مصرعه على أيدي جنود الحكومة. (جيوفاني ديفيدينتي في مقاطعة دلامي بولاية جنوب كردفان)

ظلت ولاية جنوب كردفان في حالة صراع لعدة عقود، نظراً لموقعها الكائن على الحدود بين شمال السودان ذي الأغلبية العربية المسلمة والجنوب ذي الأغلبية الأفريقية المسيحية والأرواحية. وعندما تم التوقيع على اتفاق سلام في عام 2005، عاد الهدوء المؤقت إلى المنطقة، وبدأت نحو 170 عيادة صحية بالعمل.

 ولكن بعد استئناف أعمال العنف في عام 2011 – حيث تتساقط القنابل يومياً الآن - لم يتبق سوى حوالي 40 أو 50 عيادة فقط، والكثير منها بالكاد يعمل.

  ستة أطفال في مستشفى ماذر أوف ميرسي أُصيب أكثر من 50   بالمائة من أجسادهم بحروق جراء انفجار قذيفة مدفعية في قرية أم سرديبا.   (جيوفاني ديفيدينتي)

ستة أطفال في مستشفى ماذر أوف ميرسي أُصيب أكثر من 50 بالمائة من أجسادهم بحروق جراء انفجار قذيفة مدفعية في قرية أم سرديبا. (جيوفاني ديفيدينتي)

يعرف كاتينا جيداً مدى أهمية المستشفى الذي تديره الكنيسة الكاثوليكية بالنسبة لسكان جنوب كردفان، الذين يخضعون لحصار مستمر من الجيش السوداني الذي لا يميز دائماً بين المتمردين والمدنيين.

 وتجدر الإشارة إلى أن ماذر أوف ميرسي هو المستشفى الوحيد في منطقة جبال النوبة الذي يقدم خدمات شاملة، وكاتينا هو الجراح الوحيد المدرب على إجراء العمليات الجراحية لعلاج إصابات الحرب الخطيرة.

 وقال في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): لدينا مستشفى واحد فقط يعمل بشكل كامل ويغطي منطقة ضخمة وتضم عدداً كبيراً جداً من السكان. نفسياً، ستكون ضربة قاسية، إذا توقفنا عن العمل هنا".

 وبلغ متوسط عدد المرضى الذين يستقبلهم المستشفى خمسة أضعاف سعته الرسمية منذ بدء الحرب في يونيو 2011، وهو يخدم الآن 150,000 شخص سنوياً. وقد أجرى كاتينا بنفسه، وهو طبيب تبشيري كاثوليكي من الولايات المتحدة، الآلاف من العمليات الجراحية المنقذة للحياة.

في الشهرين اللذين أعقبا الهجوم على ماذر أوف ميرسي، تعرضت ثلاثة مرافق صحية أخرى للقصف في جنوب كردفان، بما في ذلك تلك التي تديرها منظمة أطباء بلا حدود (MSF) والأطباء الألمان في حالات الطوارئ (GED). وقد تعرضت نفس العيادة التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود للقصف مرة ثانية في يناير 2015، مما دفع المنظمة غير الحكومية الطبية الفرنسية إلى إنهاء عملها في البلاد بعد ذلك بوقت قصير.

 وقد اتهمت منظمة أطباء بلا حدود صراحة القوات المسلحة السودانية بأنها مسؤولة عن القصف، ودعت حكومة الرئيس عمر البشير إلى "احترام المساعدات التي تم جلبها للسكان".

“نحن لن نرحل. سوف نظل هنا ونواصل القيام بعملنا”
— الطبيب توم كاتينا

ولكنها تساءلت عما إذا كانت الحكومة سوف تسمح للمنظمات غير الحكومية بالذهاب بحرية إلى عملها في جنوب كردفان، وأصر مستشار الحكومة ربيع عبد العاطي أنه: "لا توجد عرقلة للأنشطة الإنسانية".

 وتشير التقارير الواردة من الميدان إلى أن القصف الجوي للمناطق المدنية في جنوب كردفان أمر شائع. فقد سقطت حوالي 4,000 قنبلة على مناطق مدنية منذ أبريل 2012، بمتوسط 3 أو 4 يومياً، وفقاً للتقارير الواردة من النوبة.

وتقول ميريا هوميل، التي تعمل كفنية مختبرات في منظمة الأطباء الألمان في حالات الطوارئ، وهي واحدة من المنظمات الدولية القليلة التي لا تزال تعمل في المنطقة: "نتعلم أن نتعايش معها".

 وأوضحت هوميل، في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) كيف تغير معنى صوت الطائرات مع مرور الوقت: "في الماضي، كانت تحلق بشكل دائري قبل أن تسقط قنابل. أما الآن، فإنها تأتي وتسقط القنابل فقط. الآن، إذا سمعت صوت طائرة ... فالأفضل لك أن تتجه إلى أقرب حفرة".

 حفر الجنود، هي حفر عميقة في الأرض تُستخدم بمثابة ملاجئ من القنابل، وتوجد بالقرب من كل مبنى مدني تقريباً في جبال النوبة.

  عائلة تخرج من حفرة بعد سقوط 12 قنبلة في وسط بلدة كاودا. (جيوفاني ديفيدينتي)

عائلة تخرج من حفرة بعد سقوط 12 قنبلة في وسط بلدة كاودا. (جيوفاني ديفيدينتي)

 "أصبح هذا الأمر مجرد شيء طبيعي ... إذا قصفوا المنطقة اليوم، فإننا نعود إلى العمل في اليوم التالي،" كما قال كمال ملاك، منسق الصحة في منظمة النوبة للإغاثة وإعادة التأهيل والتنمية (NRRDO)، وهي منظمة غير حكومية محلية، في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

 وفي شهر فبراير الماضي، أصابت قنبلتان عيادة تابعة لمنظمة النوبة للإغاثة وإعادة التأهيل والتنمية، مما أسفر عن إصابة رجل كان يرافق مريضاً يسعى للحصول على رعاية، وتدمير أجزاء من المنشأة. وتمكنت العيادة من استئناف عملها بعد القصف بفترة وجيزة وتلقى الرجل العلاج.

 وقد أنشأت الحركة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال، وهي الجماعة المتمردة التي تسيطر على جزء كبير من جنوب كردفان، إدارة خاصة بها في الأراضي التي تسيطر عليها، بما في ذلك وزارة صحة يعمل موظفوها بشكل وثيق مع المنظمات غير الحكومية المحلية لتوفير الرعاية الصحية.

 من جانبها، تتهم الحكومة العديد من المنظمات غير الحكومية المحلية بتأييد المتمردين بسبب سياستها المفتوحة بشأن توفير الرعاية - بما في ذلك الاستعداد لعلاج المتمردين ومؤيديهم.

 وفي كثير من الأحيان، يُعرّض الموظفون أنفسهم للخطر عند السفر إلى العيادات النائية، مما يجعلهم عرضة للهجوم من قبل القوات الحكومية. كما يؤثر عدم القدرة على الوصول إلى هذه المرافق على الإمدادات الطبية، وهي مشكلة تتفاقم بسبب نقص التمويل.

  الراعي كوري حسن البالغ من العمر 18 عاماً وعائلته ينتقلون للبحث عن مناطق رعي أفضل وأكثر أمناً.   و  يتعايش مزارعو النوبة المستقرون سلمياً مع رعاة الماشية (كثيرون منهم من العرب)، ويحاولون معاً مواجهة تكتيكات الحكومة لتأجيج الانقسام العرقي والصراع.

الراعي كوري حسن البالغ من العمر 18 عاماً وعائلته ينتقلون للبحث عن مناطق رعي أفضل وأكثر أمناً. ويتعايش مزارعو النوبة المستقرون سلمياً مع رعاة الماشية (كثيرون منهم من العرب)، ويحاولون معاً مواجهة تكتيكات الحكومة لتأجيج الانقسام العرقي والصراع.

وهناك نقص في كافة الأدوية الأساسية، مثل مضادات الملاريا والمضادات الحيوية والعقاقير المضادة للإسهال، وهناك نقص أيضاً في المعدات اللازمة لإجراء عمليات جراحية بسيطة. كما يوجد طلب كبير على الغذاء اللازم للأطفال المصابين بسوء التغذية. وبعد شراء شحنة من الأدوية في نيروبي، ينبغي عليها في كثير من الأحيان أن تمر عبر لوكيشوجيو في شمال غرب كينيا، ومخيم ييدا في جنوب السودان، وجوبا عاصمة جنوب السودان.

 لكن هذه المحطات العديدة ونقاط التفتيش وسوء حالة الطرق تعني أن هذا الطريق لا يمكن الاعتماد عليه لتسليم شحنات كبيرة. وأحياناً يؤدي الوضع الأمني، أو حتى كمين، إلى عدم وصول الإمدادات الحيوية.

 وفي هذا الصدد، قالت هوميل: "لا يوجد شيء يمكنك القيام به حيال ذلك. عليك أن تنتظر حتى تأتي الشحنة القادمة".

 ويتوافق صبرها ومرونتها مع الموقف المماثل الذي عبر عنه كاتينا بعد الهجوم على مستشفى ماذر أوف ميرسي.

 وقال الطبيب: "أنا شخصياً، لا أرى أي فرق من مرحلة ما قبل هذا القصف إلى اليوم. سوف نستمر في القيام بما يُفترض علينا القيام به. إن دورنا سهل وواضح إلى حد كبير: إذا كان الناس مرضى، فسوف أعتني بهم".