اللاجئون يتحدون الحملة التركية الممولة من الاتحاد الأوروبي

لم تنجح الصفقة التي أبرمها الاتحاد الأوروبي بقيمة ثلاثة مليارات يورو مع تركيا بهدف سرعة وقف تدفق المهاجرين واللاجئين الذين يعبرون إلى أوروبا انطلاقاً من السواحل التركية، في ردع اللاجئين من شق طريقهم إلى مدينة إزمير الساحلية حيث لا تزال تجارة تهريب البشر منتعشة.

 

تقرير أندرو كونيلي من إزمير، تصوير نيكولا زولين

لطالما ارتبطت شوارع حي بسمانه الكئيبة في مدينة إزمير الساحلية التركية ببيوت الدعارة وتجارة المخدرات، ولكن التجارة الرائجة هذا العام هي تهريب البشر التي أصبحت التجارة المشينة الرئيسية في الحي. ولكن مقارنة بأشهر الصيف عندما كانت إزمير هي نقطة الانطلاق الرئيسية لقرابة 5,000 لاجئ يبحرون صوب الجزر اليونانية بالقوارب كل يوم، تعتبر المدينة الآن هادئة نسبياً.

ويبدو أن انخفاض درجات الحرارة مع قدوم فصل الشتاء والأمواج العاتية في البحر قد ردعت بعضهم عن الإقدام على مثل هذه التجربة. لكن في أعقاب الاتفاق الأخير الذي توصل إليه الاتحاد الأوروبي مع تركيا والذي يقضي بأن يدفع الاتحاد 3 مليارات يورو لتركيا مقابل وقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا، ربما يتم قريباً منع المزيد من اللاجئين قسراً من القيام بتلك الرحلة.

انظر أيضاً: اتفاق الهجرة "قصير النظر" بين الاتحاد الأوروبي وتركيا

  لاجئ سوري يشتري سترات نجاة في شوارع بسمانه

لاجئ سوري يشتري سترات نجاة في شوارع بسمانه

يمسك عامر بمسبحة كهرمانية اللون خارج أحد الفنادق في مدينة إزمير ويضع حقيبة سوداء صغيرة مثبتة بحزام حول خصره، وفي الجوار يمكن رؤية الأحذية الرياضية ومجموعة من حقائب الظهر المكدسة على الأرض. ومن السهل تخمين هدف عامر في المدينة، حيث يعترف بخجل قائلاً: "أنا انتظر هنا الإبحار إلى أوروبا! بالقارب على أي حال".

ورداً على سؤال حول ما إذا كان يشعر بالقلق إزاء الاتفاق الجديد بين تركيا وأوروبا، هز عامر كتفيه، في إشارة إلى عدم الاكتراث وقال:

"نعم، لقد سمعت عن صفقة بين (المستشارة الألمانية أنجيلا) ميركل و(الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان. ولكن ما الذي ينبغي عليّ القيام به؟ الوضع في دمشق صعب للغاية الآن والحكومة تجبر جميع الرجال على الالتحاق بالجيش وترسلهم ليلقوا حتفهم.

وفي الوقت الذي كان يتحدث فيه، اقترب عدد من الشباب التابعين لأحد المهربين من اللاجئين الذين يتجولون في المدينة، عرضوا عليهم الإقامة في غرف فندقية. وعلى بعد نحو عشرين متراً، كانت مجموعة تتكون من خمسة أفراد من الشرطة التركية يرتدون الزي الرسمي تجلس خارج أحد المطاعم لتناول وجبة الغذاء.

  تقوم العديد من المحلات في بسمانه ببيع سترات النجاة كتجارة جانبية مربحة

تقوم العديد من المحلات في بسمانه ببيع سترات النجاة كتجارة جانبية مربحة

وعلى الرغم من أن تركيا قد أكدت للاتحاد الأوروبي أنها سوف تستهدف هذه التجارة، إلا أن التهريب والصناعات المرتبطة به تتواصل بلا هوادة وبشكل علني في إزمير. ويتم بيع سترات النجاة البرتقالية التي تزين المتاجر في شارع فيضي باشا بحوالي 30 دولاراً، وبسعر أقل للأطفال، وأقل من ذلك بالنسبة لتلك التي يكتب عليها: "للاستخدام في أحواض السباحة فقط". بل إن سعر الحصول على مكان على متن أحد القوارب قد انخفض من حوالي 1,200 دولار في فصل الصيف إلى ما بين 750 و900 دولار في فصل الشتاء.

ولكن هناك أيضاً أدلة على أن حملة تضيق الخناق التي تشنها السلطات التركية على المهربين قد بدأت. ففي صباح يوم الأربعاء، وصلت إلى ساحة بسمانه حافلة وتم إيداع نحو 50 لاجئاً معظمهم من السوريين، وهم يرتعشون ويمسكون بسترات النجاة الرطبة.

  لاجئون ينزلون من حافلة بعد أن تم اعتراضها من قبل قوات حرس السواحل وإعادتها إلى إزمير

لاجئون ينزلون من حافلة بعد أن تم اعتراضها من قبل قوات حرس السواحل وإعادتها إلى إزمير

وفي الوقت الذي كانت تحوم فيه طائرات الهليكوبتر التابعة لخفر السواحل التركية في الأفق باتجاه البحر، قالت أسرة فرت من مدينة اللاذقية التي تقع في شمال سوريا لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "كنا نركب ثلاثة قوارب انطلقت معاً، ولكن بعد ساعة واحدة في البحر، ألقت قوات خفر السواحل التركية القبض علينا ووضعتنا جميعاً على إحدى سفنها. كانوا يصرخون ويدفعوننا. لكن أحد القوارب نجح في الهرب منهم. واضطر كل واحد منا لدفع 10 دولارات لإعادتنا إلى هنا مرة أخرى. إنها قصة لا تنتهي. هل يمكنك مساعدتنا في الوصول إلى أوروبا؟"

ولا تعد حملات اعتراض المهربين من قبل قوات خفر السواحل التركية شيئاً جديداً، ولكن يبدو أنه تم تكثيف حملات الاعتراض هذه منذ القمة التي عقدت بين الاتحاد الأوروبي وتركيا يوم الأحد. ولعل أبرز هذه الحملات تلك التي جرت يوم الاثنين الماضي، حيث تم القبض على أكثر من 1,300 من السوريين والأفغان والعراقيين في المناطق الساحلية النائية أمام كاميرات التلفزيون. وتم أخذ بعضهم إلى مرافق احتجاز مكتظة، في حين لا يزال مكان وجود معظم الآخرين مجهولاً.

  أطفال سوريون بين مجموعة من اللاجئين في محطة باصات بسمانه حيث أعيدوا إلى إزمير بعد اعتراض قاربهم

أطفال سوريون بين مجموعة من اللاجئين في محطة باصات بسمانه حيث أعيدوا إلى إزمير بعد اعتراض قاربهم

ولكن ليس جميع السوريين في إزمير ينتظرون عبور البحر. هنا يجلس محمود خارج مطعم فلافل. ورداً على سؤال حول خططه، تنهد قائلاً: "في الواقع، أنا أفكر هذه الأيام في العودة إلى سوريا".

حصل محمود على موافقة لدراسة الماجستير في هندسة البرمجيات من جامعة ألمانية في عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهو يبحث عن وسيلة قانونية للسفر إلى هناك. ويقول أنه أعطي في البداية انطباعاً بأن الوثائق على ما يرام إلا أن المسؤولين الألمان أبلغوه في وقت لاحق أنه يحتاج إلى إجراء تعديل على جواز سفره من المكتب الخاص بذلك في مسقط رأسه المدمر الذي قال أنه لا يستطيع العودة إليه. وبالتالي يوجد محمود حالياً في إزمير بهدف زيارة القنصلية الألمانية، وليس للمخاطرة بعبور بحر إيجة، الذي أودى بحياة قرابة 590 شخصاً هذا العام، ثلثهم من الأطفال.

"في الواقع، أنا كنت في سوريا قبل شهر واحد فقط حتى لا أفقد واقع الحال هناك. الوضع مختلف تماماً هناك. أردت فقط الدراسة في ألمانيا لمدة عام أو اثنين، ثم أعود إلى الوطن... أشعر بالخيانة من جانب السلطات الألمانية. إذا لم يوافقوا من الأساس على تزويدي بوثائق السفر لم أكن لأفكر أبداً في المجيء إلى هنا وأنفاق كل هذه الأموال التي كان يمكن أن تستفيد بها أسرتي في سوريا".

والآن وبعدما أصبح محاصراً بين متاهة البيروقراطية والموت في عرض البحر، بدأ محمود يفقد الأمل، وينحو نحو التشاؤم في ظل الاتفاق الجديد بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. 

"لقد دفعت تركيا ثمناً باهظاً حقاً بسبب الحرب في سوريا، ولكنها من ناحية أخرى تحاول بطريقة ما الحصول على بعض الفوائد منها".

ويتحسر طيار في قوات خفر السواحل التركية، وهو يتناول الطعام في مطعم في وسط مدينة إزمير، كيف أصبح اعتراض قوارب المهربين المليئة باللاجئين مهمته الرئيسية.

سوف نقوم بما كنا نقوم به في السابق، لكن شكراً على الأموال
— طيار تابع لقوات خفر السواحل التركية

 

وعلى الجانب الآخر، تساور بيريل اركوبان، منسقة مؤسسة ملتيسي دير، المنظمة الوحيدة التي تعمل في مجال حقوق اللجوء في ثالث أكبر مدينة في تركيا، شكوك كبيرة بشأن الاتفاق الجديد بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.

  بيريل اركوبان، منسقة مؤسسة ملتيسي دير

بيريل اركوبان، منسقة مؤسسة ملتيسي دير

وفي هذا الصدد، قالت بيريل اركوبان لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نطلق عليها صفقة قذرة...أوروبا تحاول فقط التخلي عن مسؤوليتها في حين أنها مسؤولية دولية. يتم إنفاق أموال طائلة على مراقبة الحدود والقيام بعمليات الاعتراض وإذا ما تم استخدم نصف هذه المبالغ لرعاية اللاجئين واستقبالهم لما كانت لدينا هذه الأزمة.

نأمل أن لا تستخدم [3 مليارات يورو] في تقديم الطرود الغذائية أو مواد النظافة الشخصية، بل للإدماج المستدام للاجئين داخل المجتمع التركي
— بيريل اركوبان، منسقة مؤسسة ملتيسي دير

 

وبالانتقال إلى شرق البلاد، ذكرت منظمة العفو الدولية مؤخراً أن تركيا تقوم بطرد السوريين وإعادتهم مرة أخرى إلى مناطق الحرب التي فروا منها. وفي الوقت الذي أصحبت فيه المملكة المتحدة أحدث دولة تبدأ في شن ضربات جوية في سوريا، يبدو أن تركيا، التي تحصل على هبات سخية من الاتحاد الأوروبي، بدأت بالفعل في إغلاق الطرق الآمنة في وجه السوريين الذين يلتمسون فيها ملاذاً آمناً.

ac/ks/ag-kab/dvh